الرئيسية / غير مصنف / محمد عبدالواسع حميد الأصبحي .. يتذكر

محمد عبدالواسع حميد الأصبحي .. يتذكر

لقد كتب الأستاذ المرحوم- محمد عبدالواسع الأصبحي، عن الآخرين في مذكراته أكثر مما كتب عن نفسه، فأبرز رجالاً كان حظهم من البروز أقل مما هم به جديرون، ونوه برجالٍ لا يكادُ أكثر الناس يعرفون عنهم شيئاً.. ومن العدل أن نقرر بأن لكل من يكتبون «المذكراتِ» أو «السيرة الذاتية» الحق في أن يتحدثوا بضمير المتكلم، وإلا لما سميت هذه المؤلفات بالمذكرات ولا بالسير الذاتية، ولكن الميزان في هذا المجال دقيق وحساسٌ، فإذا اختل التوازن هنا، ثقلت كفة «الأنا» أو «الذات» ثقلاً تصبح معه عبئاً باهظاً على التاريخ وعلى القارئ.. وبمقابل ذلك تخف كفة «الهو» أو «الغير» خفة مجحفة بحق التاريخ وبحق القارئ في المعرفة الصحيحة. 
ولقد أمسك الأستاذ محمد بالميزان، إمساك الصادق الأمين، الذي تهمهُ أولاً وقبل كل شيء الحقيقة الصادقة، والمصلحة الوطنية، وحق القارئ في الاطلاع على حقائق التاريخ المجردة من عبث الأغراض وتسلط الأهواء، وهذه درجة رفيعة لا يصل إليها إلا القليلون من الخائضين في هذا الميدان من ميادين الكتابة التي تتطلب قدراً عظيماً من النزاهة والإحساس بالآخرين.. وسيجد القارئ الكريم، ما يكفي من الأمثلة التي تبرهن على هذه السوية الرفيعة التي وصل إليها كاتب هذه المذكرات.
كما أن القارئ سيقف أمام بعض الحقائق الإقليمية التي تشمل البحر الأحمر وخاصة في شطره الجنوبي وما جرى على ساحله الشرقي في اليمن وساحله الغربي الذي تقع عليه بعض دول ومناطق شرق أفريقية وما كان يدور في شرق أفريقية من الصراع الاستعماري الذي أدى إلى نشوء دول واختفاء أخرى وهو لا تزال رحاه تدور أمام أعيننا إلى هذا اليوم.. ولن يسع القارئ إلا أن يشعر بالإعجاب إلى حد الدهشة، لما أبرزه الأستاذ محمد عبدالواسع الأصبحي، من أخبار اليمنيين في تغريبتهم الحديثة التي بلغوا بها أصقاع الأرض، وما قابلوه من أهوال تتضعضع أمامها الجبال، ولكنهم قابلوا كل ذلك بصبر عظيم، وجلدٍ لا يذل ولا يهون، وبقدرة على التكيف مع عالم غريب ينكرهم وينكرونه، وينفيهم فيقتحمونه، مما ينبئ عن معدن صلب عريق لهذا الشعب الذي أنجب هؤلاء الرجال، ويبشره بمستقبل زاهر مجيد رغم كل ما يحيط به من مكر الأعداء وقسوة الظروف.. ولو كان لي أن أوجه نداء لهتفت.. نداء.. نداء..: أيها اليمنيون اقرأوا مذكرات المناضل الحر الأستاذ «الخال» محمد عبدالواسع حميد الأصبحي المعافري الحميري اليمني، من هذه المنطلقات، وستجدون فيها طاقة خلاقة قوية، تدفع بالمسيرة إلى الأمام بثقة ماضية وجباه عالية.
دمشق 21-5- 1996م مطهر الإرياني
«الجمهورية» تعيد نشر هذه المذكرات لرجل ساهم بقسط وافر في خدمة الوطن واستذكر ملامح وشواهد من التاريخ المعاصر لليمن والظروف المحيطة بتلك المرحلة وهي مذكرات أحق أن يقرأها هذا الجيل الذي لا يعلم حجم تلك التضحيات وطبيعة الظروف فضلاً عن اتسامها بالأسلوب الأدبي الشيق في رواية الأحداث والأسماء
هجرة اليمانيين إلى السودان ثم إلى مدغشقر
مع احترامي للشعب السوداني الشقيق والصديق.. لم يكن باستطاعتهم حمل الأثقال على ظهورهم، ولا أن يتحمّلوا ما يتحمله اليمانون من مشاق ومتاعب.
لذا كان اليمنيون يذهبون للعمل في السودان، وكان هناك شخص يمني هو (شيخ اليمانيين) علي الهمداني، في الداخل في عدن، كان يكتب إلى اليمنيين الذين يشتغلون في الأرصفة، فيذهبون إلى بور سودان، ويعملون هناك، وقد ظلّ كثير من هؤلاء العمال في السودان واندمجوا مع السودانيين، وعاشوا بينهم… ومنهم من ذهب إلى الخرطوم ومنهم من ذهب إلى وادي مدني.. أذكر منهم المجاهد الكبير في وادي مدني يحيى حسين الشرفي من المجاهدين الأبطال، توفي بعد الثورة بثلاثة أعوام، وسوف أفرد له فصلاً لأتحدث عن بعض ما أعرفه عنه، فيما بعد.
هجرة اليمانيين إلى الصومال
كيف اغترب اليمانون إلى الصومال؟
الشعب الصومالي – وأنا آسف لأن أقول هذا – كان شعباً متخلفاً، عاجزاً عن القيام بكثير من الأعمال الضرورية اللازمة لاستقرار الإنسان، ولهذا فقد وجد اليمنيون فرصة مناسبة جداً للعمل في جنوب الصومال وشماله وفي جيبوتي.. كانوا يعملون في بناء البيوت وغيرها من الأعمال العمرانية سواء في الجنوب التي كانت مستعمرة إىطالية أو في الشمال الذي كان تحت الاستعما البريطاني وكذا في الصومال الفرنسية (جيبوتي)… وسأعود للحديث في توسّع عن جيبوتي هذه.. كيف بنيت؟ ومن عمّرها؟ لأن جيبوتي لم تكن سوى ساحل فقط، أما المدينة التي حتلّها الفرنسيون فاسمها «أوبخ».
أما اليمنيون فقد دخلوا أىضاً إلى عصب ومصوّع من موانئ (أرتيريا)، وكانت تحت الاحتلال الإيطالي أىضاً.. إلا أنهم بذكائهم الفطري وجلدهم لم يستمروا جميعاً في الموانئ، فقد ذهب من ذهب منهم إلى اسمرا عاصمة (أرتيريا).. ومنهم من صار تاجراً، ومنهم من هاجر إلى أثيوبيا.
وفي أثيوبيا أدركتهم أنا.. في دردوا مثلاً. وأذكر أن الإمبراطور هيلاسي لاسي قد خلق في مدينة هرار، وعندما تولى الإمبراطورية طلب من المقاول صالح الجمال أن يرصف له الطريق من دردوا إلى هرار، أي ما يقرب من 80 إلى 100 كيلو متر، فرصفوها بالأحجار بأيديهم حتى اكتمل الطريق، ولهذا منحه وساماً، ولقد كان المقاول والعمال في هذا المشروع في معظهم من اليمنيين، وكان على رأسهم أمثال صالح الجمال وسعيد هويدي وسواهما.. وأتذكر هنا المرحوم الذي فرض نفسه قنصلاً بدون قنصلية وهو عبدالواسع محي الدين السقاف، وأتذكر أىضاً المرحوم عبدالمعين السقاف والد عبدالوارث وعبدالهادي وسعيد عبده السقاف وهؤلاء جميعاً كانوا مقاولين.
وعندما مررت بأثيوبيا عام 1953م شاهدت المغتربين اليمنيين هناك من حرفيين وتجار وغير ذلك، يعيشون مع الأحباش كإخوة، بحيث لا يشعر المغترب اليمني أنه غريب، وذلك لأن الأحباش طيبون. ولهذا أسجل هنا أن المغترب اليمني في أي منطقة يمكن أن يشعر بالغربة، ما عدا في أثيوبيا، وهذه قضية لها جذور تاريخية قديمة.. وكذلك الشعب السوداني الشقيق لا يشعر العربي بأنه غريب.
في مدغشقر: الملجاش أقوياء وضخام الأجسام، يشبهون السنغال، ولكنهم أيضاً لا يستطيعون أن يعملوا كما يعمل اليمانون، لذلك ذهب اليمنيون إلى مدغشقر (ملجاشي حالياً)، إلى الموانئ التي أتذكر منها «ديجو سواريه» و «تمتاف» و «أنتلها.. إلخ.
وكانت الشركات الفرنسية في جيبوتي والتي لها فروع في مدغشقر تطلب من رؤساء العمال أن يؤمنوا لها العمال ويرسلوهم للقيام بتفريغ شحنات السفن، وكان رئيسا لعمال يسمى (الصرنج)، ومن رؤساء العمال هؤلاء أذكر صالح القثوع من النادرة، وقبله عبدالواسع عابد الحمادي، ثم تلاهما قاسم حميد الأصبحي.
كان هؤلاء العمال يذهبون ويعملون هناك، ثم يتزوج من يتزوج، ويبقى من يبقى، وظلّ منهم جالية لا بأس بها هناك، هي من بقايا أولئك المهاجرين الأوائل.. وكذا الأمر في كينيا، ولكن المتبقين في كينيا أغلبهم من الحضارم ..وكذا الحال في تنزانيا.
هذا الاغتراب الطويل العريض لماذا؟
سؤال موجع جداً، ولا جواب لديّ سوى أن أشير إلى شحّ الطبيعة وجوا الحاكم، فإن نجا اليمني من أولهما فإنه لا ينجو من ثانيهما، وإذا رأفت الطبيعة بالإنسان فجادت عليه بقليل من الماء والغلال، فإن الإمام الجائر من ورائها لا يرحم ولا يرأف: ضرائب باهضة، وخطاط(1) يأتي على الأخضر واليابس، وتنافيذ لا تنتهي وقيود قيود قيود.. شيء لم يحدث مثله حتى في القرون الوسطى.
حسناً يا مستمعي العزيز.. وأبيح لنفسي أن أدعوك بمستمعي وليس بقارئي .. فأنا على الحقيقة أشعر بأنني أجلس قريباً منك أحدثك وتسمعني.. سأقصّ عليك هنا شيئاً عن المغتربين اليمنيين في جيبوتي، وأعتقد أنك ستتابع حديثي بشغف، فأنت قد عرفت من قبل أنني قد ترعرعت في جيبوتي وتعلمت فيها، ثم خرجت منها لأعود إليها وأعمل من جديد، خرجت عام 1956م فاراً.. إلى أن عدت بعد ثلاثين عاماً كسفير لليمن، أمثّل بلادي فيها، وأنا أعتقد أني مثلتها خير تمثيل، وسوف أعرّج على مثل هذا الموضوع في نهاية كتابي إن استطعت. وسأبدأ، هنا، بالسؤال التالي: كيف بنيت جيبوتي؟
كيف بُنيت جيبوتي؟
عندما احتلت فرنسا منطقة (أوبخ) العفار، وعلمت معاهدة مع سلاطين الدناكلة والعفارة، كان مع الفرنسيين – كما أتذكّر، ورأيت صورة له – (برهان بك العفري) ، ويقول أحفاده :إنه من أصل يمني، لأن سحنته تشبه سحن اليمنيين حقاً، وكلمة (بك) جاءته ربما، من الأتراك، لأنني شاهدت صورة له قديمة تعود إلى حوالى أربعين عاماً، وفيها صدره مزيّن بالنياشين التركية.
استمرّ الفرنسيون عشرين عاماً في مدينة أوبخ وسواحلها القريبة من باب المندل ومداخل البحر الأحمر المفتوحة على المحيط الهندي، وقد رأوا أن هذه المدينة لا تكفي لرسوِّ سفنهم، لاسيما وأن طموحات كبيرة كانت تحدوهم إلى التوسّع، فوجدوا في ساحل جيبوتي هدفهم المنشود. وهكذا أنتقل الفرنسيون إلى ساحل جيبوتي، التي كانت لا يوجد فيها حتى كوخ واحد، وكان وراء انتقالهم إليها سببان رئيسيان هما:
الأول: أن الساحل واسع وعميق يصلح لبناء ميناء، ومناسب لرسو السفن التي تمرّ متجهة إلى الهندي، وتمخر حتى تصل إلى مستعمراتها في (مدغشقر)، أي (ملجاشي حالياً)، أو مستعمراتها في (الهند الصينية)، التي تتكون منها (فيتنام الشمالية والجنوبية، وتايلند، ولاووس، وكمبوديا).
الثاني: اتفاقهما مع الإمبراطور (منيليك الثاني) الذي وحّد أثويبا، وكان من القادة الذين بنوا ودعموا إمبراطوريته (الرأس ميكائيل) وكان يسمى محمد علي وكان مسلماً، ثم دخل في المسيحية لأسباب سياسية، وهو والد (الياسو) إلياس الذف خلف (منيليك الثاني) لأن هذا الأخير لم ينجب أولاداً للعرش.. وقد قامت حروب بينه وبين الإمبراطور (هيلا سي لاسي) وهو ابن القائد الثاني (الرأس مُكَنن) الذي كان اليد اليمني للإمبراطور (مينليك الثاني).. و (هيلا سي لاسي) هذا، هو ابن القائد (موكنن)، وكان اسمه (تافاري)، فغيّره إلى هيلا سي لاسي، أي: قوة الثالوث (المقدّس)، وكان أميراً على إقليم هرار وما حولها.
أعود لأقول: إن فرنسا اتفقت مع أثيوبيا على بناء سكة حديد من جيبوتي مروراً بمدينة الدردوا القريبة من إقليم هرار، متجهة إلى عاصمة إثيوبيا (أديس أبابا) التي اتخذها لأول مرة عاصمة له الإمبلاطور (منيليك الثاني)، وكانت ستصل هذه السكة الحديدة، ربما إلى أوغندا، ولكن مشروع مدّ هذه السكة إلى أوغندا قد توقف بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى 1914م.
إذاً فماذا تصنع فرنسا؟
أولاً: لتفريغ حمولة السفن البحرية.
ثانياً: لبناء السكة الحديدية.
ثالثاً: لحفر آبار الشرب وغيرها.
أجل، ماذا تفعل فرنسا لتنفيذ هذه المشاريع في الصومال، وقبائل العيسى الممتدة من قرب جيبوتي إلى دردوا قبائل بدوية متخلفة جداً.. تعيش على رعي الأغنام وغيرها ولا يتقنون إلا بناء أكواخ لهم من القش لا تقيهم إلا حرارة الشمس؟
من هنا يأتي الدور البارز لليمنيين في بناء جيبوتي:
اليمانون يبنون جيبوتي
أولاً: استقدمت فرنسا عمال موانئ من أوبخ إلى جيبوتي، وكان معظم هؤلاء العمال من اليمنيين، وأتذكر أنه كان يرأس هؤلاء العمال عبدالواسع عابد الحمادي الذي دفع تأميناً ضخماً لشركة (إفريك أورينتال) الفرنسية التي هي وكيلة البواخر كلها التي تمرّ من هناك مثل «مسجري مرتيم» وغيرها.
هكذا تجمع عدد كبير من العمال اليمنيين قادمين من جزيرة ميون ومن أوبخ ومن غيرهما طلباً للرزق وغير ذلك.
ثانياً: كان لابد لفرنسا من بناء مساكن، فقدم العمال والبناؤن أىضاً من اليمن، وبدؤوا يبنون المساكن للعمال أولاً، ثم بدؤوا يخططون بيتاً كبيراً للوالي – ما زال هذا البيت قائماً وهو مسكن رئيس الجمهورية حالياً، وقد مرّ على بنائه ما يقرب من تسعين عاماً… كان المهندسون من الفرنسيين، والبناؤون من اليمنيين.
لم يكن الإسمنت قد ظهر في هذه السواحل آنذاك. فماذا صنع اليمانون؟ الله.. يا لشدة بأسهم.. يا لشدتهم وذكائهم الخارق!! إن من يعرف كيف بنوا عمارات جيبوتي سيتأكد له أن هؤلاء هم بلا شك أبناء بناة السدود العمالقة وبناة الحضارة القديمة، وهؤلاء الأحفاد لا يقلّون شدة وبأساً عن أجدادهم.
إن من يزور جيبوتي الآن، ويبحث عن العمارات القديمة سيجد أنها مبنية بالأحجار بل بالشعب المرجانية، وهؤلاء الرجال الأشداء وتا الله أنهم كانوا يغوصون في أعماق البحر لكي يستخرجوا الشعب المرجانية، ثم يطلعونها إلى البر كي يقطعوها أحجاراً.. ثم كيف يصنعون، وليس هناك إسمنت للبناء؟
لقد بدؤوا يبنون المحاريق للجص والنورة، وبقايا هذه المحاريق مازالت حتى الآن، وكذا العمارات التي استخدمت لها هذه الموادو وهي شاهدة لهم، تحكي عظمة اليمنيين.
هكذا بدأت العمارات تبنى، وكذا بيت الوالي وغيره.. مدينة جيبوتي العليا كلها تقريباً من بناء اليمنيين، أما الصومال فلم يكن لهم دور إلا فيما بعد.
إذاً كيف بالماء؟
مساقط السيول تمر بمنطقة تبعد عن مدينة جيبوتي بحوالي ثمانية كيلو مترات، ومن حسن الحظ أن السيول التي كانت تأتي من أثيوبيا تمر على منطقة اسمها (حُنبلي)، فترسب فيها الأتربة الخصبة، الأمر الذي شجَّع على إنشاء الحدائق والبساتين والتي قامت هي الأخرى على جهود اليمنيين – المزارعين منهم – والتي مازالت قائمة حتى الآن.. حيث تم استقدام (الحكم) اليمنيين المتخصصين بالزراعة، فمن هم هؤلاء المزارعون؟ ومن هم (الحكم)، لابدَّ من الاستطراد قليلاً للإجابة عن ذلك:
قبيلة الحكم:
أقول: الحكم قبيلة يمنية، لا زالت حتى الآن، يمتدون من العارة والعميرة وسقية وغريرة وباب المندب وذوبان ثم واجحة والكدحة إلى قرب المخا. وتنقسم قبائل الحكم إلى ثلاثة أقسام:
1 – رعاة: وهم يسكنون الجبال إلى حدود ناحية الوازعية إلى جبال «صنفا»، وهؤلاء لا زالوا رعاة حتى الآن، ربما.
2 – بحارة: وهم من يأخذون الوَزف، أي: السمك الصغير المملح، من خور العميرة (خليج العميرة)، ومنهم من يصنع السفن الصغيرة، ويبحرون بها.
إنهم بحارة ماهرون جداً جداً، ومهربون ماهرون جداً جداً.. حتى أنهم أنقذوا جيبوتي أيام الحصار في أعوام 1940، 1941إلى 1943م حيث كانوا يهربون الطعام (الحبوب) وغيرها أن اليمن رغم حاجتنا إليها إلى مدينة جيبوتي ليبيعونها هناك، لأن جيبوتي كانت محاصرة من قبل بريطانيا، وقد كانت حكومة جيبوتي آنذاك تابعة لحكومة فيشي)، التي يرأسها المارشال (بيتان).
من هؤلاء البحارة كان العمال الذين استقدموا ليعملوا في الغوص لإخراج الشعب المرجانية واقتطاعها.. لقد كانوا عمالاً ماهرين. ومشهوداً لهم بذلك.
3 – المزارعون: وهم النوع الثالث من الحكم، تبدأ منطقتهم من واحجة وهي مشهورة الآن والكدحة والمخا وحتى ذوبان. وهم قد استقدموا إلى جيبوتي، فأنشأوا الحدائق والبساتين وزرعوا الطماطم (البندورة) والباذنجان والبامية .. ثم جاءوا بفسائل النخيل، وزرعوا النخيل، وطلعت باسقة.
زرت هذه الحدائق ورأيت النخيل، وقد بقي بعضها حتى الآن.
بالإضافة إلى الزراعة قاموا بحفر الآبار، وهم ماهرون في ذلك، ومن يذهب الآن إلى تهامة أو واحجه أو المخا يجد الآبار القديمة مطوية.. إنهم يحفرون ما يقرب من عشرين إلى خمسين متراً حتى يصلوا إلى الماء، ثم يخرجونه بالدلاء ويعمرون برك، ثم يسقون البساتين والمزروعات.
أتذكر عام 1930م كانت جيبوتي تأكل المنصف – مناصف التمر – ستة أشهر في العام، وكانت ممتلئة بالنخيل، وأنا أقول:
لماذا انتقلت من المخا ؟ لماذا لا يوجد النخيل في الصومال إطلاقاً؟ ولا في بر العفر والدناكل؟
إنه لا يوجد إلا في جيبوتي، وقليل منه في أوبخ..
تلك هي بصمات اليمنيين، ومؤشر على أن اليمنيين هم الذين زرعوها، والفرنسيون طبعاً يعرفون ذلك، وحسن جوليد رئيس الجمهورية يعرف ذلك، هم كانوا أول من بدأ حفر الآبار وسقاية المزروعات، ثم حفرت فرنسا بعد ذلك بئراً ارتوازياً في المنطقة، وبدأت تسقي المدينة، ثم بنت خزانات لتزويد البواخر بالمياه.
أما الصوماليون فقد توافدوا أىضاً إلى جيبوتي، ولكن أغلبهم كانوا بدواً يبيعون اللبن، أو يأتون بالمواشي من (الصومالي الفرنسي) أو (الصومالي الإنجليزي)، من زيلع وبربرة.. يأتون بالضأن والماعز وغيره. وحينما حاولوا الدخول في العمل، دخلوا كعمال ليس إلا، أما كفنيين كبنائين أو نجارين أو سماكرة فلم يدخلوا إطلاقاً.. وحتى عام 1956م كان لا يوجد سوى اليمنيين.
هذه جيبوتي أوجدها اليمنيون من العدم.. كانت مجرد ساحل فقط.. صحيح أن الفرنسيين خططوها، ولكنّ الذين بنوها هم اليمنيون.
من يتصوّر أن اليمنيين يغوصون في البحار، ويقطعون الشعب المرجانية ثم يفلقونها ويشذبونها ويسوونها بناءً بدلاً من الأحجار، ثم يشيدون بها العمارات مع عدم وجود الإسمنت؟
وبخصوص السكة الحديدية، صحيح أىضاً أن الذين وضعوا تصميماً هم المهندسون الفرنسيون، والشركة التي أشرفت عليها فرنسية أىضاً وكانوا يسمونها «كمبني شومندافير فرنكو اثيوبمن» أي «السكة الحديدية الفرنسية الإثيوبية «C.F.E»، إلا أن لليمنيين دوراً أىضاً في بناء السكة الحديدة وبناء الجسور والأعمدة اللازمة لسير السكة الحديد التي تبدأ من جيبوتي حتى (علي صبيح) و (علي شعه).. حتى تصل إلى دردوا، ومن دردوا إلى هوّاش.. نهر هوّاش يمر بين تلين وارتفاعهما ما بين 600 إلى 800 متر تقريباً.
فماذا يصنع الفرنسيون؟
خططوا ليصنعوا أعمدة أو كابات كما نسميها، وبناة تلك الكابات – وهي بشكل أسطواني من الأحجار والإسمنت وخلافه – كانوا من اليمنيين، وهم العمال والبناؤون، أما المهندسون ففرنسيون، وقد استطاعوا أن يملأوا من ذلك العقد ما يقارب من عشرة أمتار أو أكثر قليلاً، وكان ذلك العقد خطيراً فلو سقط إنسان منه لما وجدوه إلا أشلاءً، وتمّ ذلك حتى وصلوا إلى أديس أبابا، وذلك بفضل شجاعة العمال والبنائين اليمنيين وبفضل مهارتهم الفائقة.
دليل آخر على ما أنشأه اليمنيون في جيبوتي سأسوقه مستطرداً أىضاً وأقول: عندما يذهب المرء إلى (حُنبلي) حيث توجد هناك الحدائق والبساتين الغناء، يجد أنه كان هناك في الماضي قبل حوالي خمسين عاماً بستان عبدالواسع عابد وبستان حمودي وبستان الضوراني وبستان بازرعة.. إلى آخر هذه الأسماء.. أجل بساتين وحدائق، السائر بمحاذات أسوارها ولو على بعد مائة متر أو مئتين يشم رائحة الفل يحملها إليه النسيم .. أشجار الفل والرمان والجوافة، هذه كلّها نقلت من اليمن.. إنها دليل على عظمة اليمنيين الذين يبنون ولا يهدمون، وثمة دليل آخر.
مسجد حمودي
كانت جيبوتي فارغة، كما قلت من قبل، وهي الآن مدينة عمرها ما يقرب من مائة وعشر سنوات، وزائرها تطلّ عليه تلك المنارة العالية التي تزيّن المدينة.. إنها منارة مسجد حمودي
فمن يا ترى حمودي؟
حمودي هذا رجل فاضل،وتاجر مرموق،توفي رحمه الله قبل خمسة وستين عاماً،كان في الحديدة ثم انتقل إلى جيبوتي،إنه تاجر تمور من كبار التجار،كانت تجارته قبل أن ينتقل إلى جيبوتي بين البصرة والحديدة أو بين البصرة والمخا،وحين عرف أن الصومال يحبون التمور توسع في تجارته،وجعل جزءآً كبيراً منها لوجه الله تعالى،فكان يوزع كل سنة مئات القواصر« الشوالات» من التمر على الأرياف كصدقة.. ثم راح يختطّ ذلك المسجد الكبير،وهو أكبر مسجد في جيبوتي،إن لم أقل في القرن الأفريقي،ثم أوقف له مايقرب من أربعة عشر حانوتاً «دكاناً»،جعل إيجاراتها لصالح «مسجد حمودي»، واستقدم، آنذاك كما أتذكر عبدالحليم الأغبري وفلان الأغبري للقيام على إمامة المسجد وخدمته.
هذا الرجل الذي اشتهر بكرمه وصدقاته، كان قد تزوّج من اثنتين، ولكنه لم ينجب سوى فتاة واحدة، وأتذكر اسمها، إنها سلطانة حمودي،ماتت قبل عشر سنوات، أما مالايمكن أن أنساه،فهو تلك الأهزوجة التي كان يرددها العمال وهم يعملون في بناء المسجد يشاركهم هذا الرجل الفاضل في حمل الأسمنت ومواد البناء،تقول الأهزوجة:
«ياحمودي يا حمودي: ابني وعلّي،وموت وخلّي»
لقد شهدت بناء هذا المسجد،وعرفت بانيه، وصورته لاتبرح خيالي.
ولكن،ألم يبن اليمنيون غير هذا المسجد؟
بلي،لقد بنوا مساجد ومعالم حضارية كثيرة،أذكر منها أيضاً:
مسجد السيد حسن البار
إنه مسجد جامع كبير،يلي مسجد حمودي من حيث ضخامته واتساعه،أما بانيه السيد حسن البار فهو تاجر يمني،من حضرموت،قدم إلى جيبوتي وبنى هذا المسجد،ثم استقدم إماماً له، أتذكر اسمه،إنه الشيخ عبدالرحمن بامخرمة في إمامة المسجد،ومن أحفاده الفنان الكبير عبدالقادر بامخرمة. ثم جاء صالح القثوع الذي سبق عمي في أعمال الفحم، وعمل تلك المئذنة المطلة على جيبوتي كلها،وأوقف للمسجد بيوتاً للقيام على خدمته.
ولا أنسى أن أذكر هنا أن أحد الصوماليين،واسمه الحاج ديده،قد بنى مسجداً في الحارة السادسة،وهو مسجد لابأس به كذلك.
مدرسة آل الضوراني
حين الحديث عن الذين شيدّوا المعالم الحضارية في جيبوتي،لابد من ذكر آل الضوراني،الذين أسسوا أول مدرسة هناك،لتكون بديلاً عن الكتاتيب «الفقيه والفقيهية»،وكان أول مدرس في هذه المدرسة المجاهد والمناضل الكبير الذي سجن في حجة، والأحرار جميعاً يعرفونه،إنه عبدالله عبدالاله الأغبري،وظلّ مايقرب من عام ثم استقال من التدريس وذهب.
آل الضوراني هؤلاء،سأعرج على ذكرهم،ومنهم بيت آالضوراني،ومما يؤسف له أن الجيل الجديد من هذه الأسرة لايعرفون كيف هاجر آل الضوراني إلى القرن الأفريقي،وقد صارحت بعضهم بذلك قبل عشر سنوات.
آل الضوراني هؤلاء من العلماء الذين كان يرسلهم الإمام اسماعيل المتوكل الذي وحّد اليمن حتى عُمان،وحتى بعض مناطق القرن الأفريقي،ومنها «زيلع،وبربره،وبرجال،وهرجيسه» فهؤلاء ذهبوا إلى هناك كقضاة،وليعلموا الصوماليين اللغة العربية.. الخ حتى إذا واتت الفرصة أحفاد أحفادهم دخلوا إلى جيبوتي، وكان بعضهم من ضمن الموظفين الكبار في البنك، أتذكر منهم:عبدالرحمن الضوراني، وحفيده الآن «ذو يزن» يمثل جيبوتي في الأمم المتحدة،ومن أحفاده أيضاً «عوض الضوراني»،وكان يعمل هنا في السفارة الفرنسية بصنعاء، «حسان الضوراني» من أبنائه المجاهد الكبير عبدالكريم الضوراني،وهو أول رئيس للجالية اليمنية،ولنادي الشبيبة العربية،ضحّى حتى بوظيفته لأجل العرب،أو لأجل اليمنيين آنذاك،وهذا ما أستطيع أن أذكره باختصار عن هذه الأسرة.
«مدرسة النجاح» مرة أخرى:
على الرغم من أنني تحدثت عن هذه المدرسة مفصّلاً من قبل،إلا أنني لابد أن أذكرها هنا،تنويهاً بمؤسسها،أقول:
قدم الرجل الفاضل محمد صالح كبيش من اليمن من ماوية،وسكن في الصومال،حتى إذا جاء الفرنسيون إلى أوبخ انتقل إليها،ثم مات وجاء بعده ولده الكريم الفاضل الذي كنا إلى جانبه نخبة من الفضلاء المتنورين،هم:«سيف سعيد العطار أخو الدكتور محمد سعيد العطار وهو أكبر من الدكتور محمد سعيد بما يقرب من 40 45 عاماً،وفرج جمعان باظفاري،وسالم معطي»،فتبرع علي كبيش ببناء تلك المدرسة من ستة فصول وستة بيوت للمدرسين،واستقدم لها العلماء من حضوموت ليدرسوا فيها،وهكذا افتتحت مدرسة النجاح،بنظامها الحديث ولباس طلابها الموحّد لأول مرة في القرن الأفريقي،كما تحدثت من قبل.
هذه هي جبيوتي التي بناها اليمنيون،ولاتزال بصماتهم شاهدة على ذلك، صحيح أن الفرنسيين هم الذين أسسوها واستعمروها،ولكنني أقول بصدق لولا هؤلاء اليمنيون لما كان هناك مدينة،كان يمكن أن يكون هناك ميناء فقط.
وأتذكر مسرحية شاهدتها قبل عشر سنوات، كانت من تشجيع إن لم أقل من إخراج إسماعيل عمر «مدير مكتب رئيس الجمهورية في جيبوتي».. عمل مسرحيةً،وطلب منا ألبسة يمنية وخناجر وغيرها،ثم جمع من الدنا كل ومن اليمنيين ورقصوا «البرع»،وجاء من العيسى، ومن كل مكان ومن الأحباش،وفي ختام هذا العمل الفني قال:«هذه هي جيبوتي،هذه هي المجموعة التي أسست جيبوتي»،وهذا اعتراف منه،فشكراً له.
بقي اليمنيون هناك،وبقيت المدرسة قائمة،إلى أن قامت الحرب العالمية الثانية،فتحولت مدرسة النجاح إلى مدرسة ابتدائية رغم الأوقاف التي تدر عليها،وهكذا بدأت تخبو،وتتخافت،وتتضاءل.
أما عن موقف الفرنسيين من هذه المدرسة،فإنني أقول: إن الفرنسيين لم يحاربوا المدرسة،ولم يقفلوها،بل كانوا يحبذون نشر ثقافتهم ولغتهم..
إنهم لم يأمروا بشكل مباشر ولم يضغطوا على أحد يود الدراسة العربية،
بيد أنهم اتخذوا سياسة أخرى، وهي أن من تعدى سن التاسعة أو العاشرة لايقبل في المدارس الفرنسية.
أما اليمنيون، فإنهم أرسلوا أبناءهم إلى اليمن لاسيما بعد قيام الثورة اليمنية المباركة، وأما الصومال والعفر فإنهم اضطروا إلى أن يدخلوا أبناءهم المدارس الفرنسية، وذلك ليتاح لهم العمل في الدوائر الحكومية والشركات لكسب لقمة العيش.
إن مدرسة النجاح ماتزال شامخة عالية صامدة، تتحدى العواصف الهوجى.. مدرسة النجاح التي أنجبت الكريم المفضال عبدالقادر سعيد العطار وأخاه المرحوم إبراهيم سعيد العطار وأحمد محمد الحاج العريقي والد فهمي الحاج الوزير في جيبوتي حالياً، وناصر علي عثمان، وأحمد فرج باظفاري الشاعر والأديب رحمه الله، وكاتب هذا محمد عبدالواسع حميد الأصبحي..وقبل هذا وذاك أنجبت الأديب والشاعر أحمد حامد الجوهري صديق المرحوم والشاعر محمد سعيد جراده، وكذا صديق إبراهيم الحضراني.
عودة إلى جيبوتي
بعد ثلاثين عاماً من خروجي من جيبوتي عام 1956م فاراً من العيون والجواسيس الذين كانوا يطاردونني، وهم ليسوا من الفرنسيين وإنما من الإخوان العرب سامحهم الله، إنهم عيون عمياء ومرتزقة أغبياء.
أما الفرنسيون فقد كانوا غالباً منصفين ومتفهمين وعارفين لفضل اليمنيين في إيجاد جيبوتي من العدم، ولم أفكر في يوم من الأيام بالعمل ضدهم، فقد حملت جنسيتهم حين ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وعملت في الضرائب، ثم بحاراً في البواخر.
أقول: بعد ثلاثين عاماً من خروجي من جيبوتي عدت إليها في الثمانينات كسفير ولمدة عشر سنوات..وهاأنذا تعود بي الذاكرة إلى شؤون وشجون كثيرة مماعشته فيها: تعود بي الذاكرة أولاً إلى «جزيرة ميون» التي ذكرتها عابراً من قبل، وكان فيها عبدالله ثابت الأصبحي الملقب ب «الصرنج» وهذه الكلمة «الصرنج» لست أدري من أين جاءت، والتي تعني «رئيس عمال».. أما عبدالله ثابت فكان أشبه مايكون بحاكم في هذه الجزيرة، وكان شريفاً مفضالاً، ومضيافاً لكل من وفد من اليمن سواءً من الشمال أم من عدن أو من أية منطقة أخرى..ومن مكرماته أنه استقدم مدرسين باللغتين العربية والإنجليزية، على حسابه الخاص، لتدريس أبنائه وأبناء المقيمين في «ميون» وجفنته كما قال الشاعر:
«ولي جفنة مايغلق الباب دونها مكللة لحماً، مدفقة ثردا»
ومن أبنائه الذين تعرفت إليهم أستاذنا الكبير قائد عبدالله ثابت، وقد تعرفت إليه عام 1934م، عندما دخل إلى جيبوتي، ثم التقينا بعد خروجه من السجن عام 1953م وهو الذي أملى عليّ قصيدة عبدالعزيز الطيار:
«مَنْ لي ببعدي عن أرضٍ شوت كبدي..إلخ».
وأعرف أيضاً أخاه الأكبر الذي كان شعلة في الذكاء، إنه عبدالملك عبدالله ثابت، وقد سجنه الإيطاليون خطأ، وأفرج عنه بمراجعة من ولي العهد آنذاك..رحمه الله، فقد وافته منيته في أوائل الحرب العالمية الثانية.
ومن أولاده أيضاً عبدالجبار وآخرون، وبالتالي لقد كان كل من فرٌ من اليمن هارباً من الحكم الإمامي يذهب إلى «ميون» نزيلاً على عبدالله ثابت الأصبحي، وأتذكر منهم علي عثمان والد الشيخ محمد علي عثمان وابنه محمد علي عثمان وعبدالله عثمان الذين قرروا الذهاب إلى المملكة العربية السعودية ثم عادوا إلى اليمن والدباغ مرّ هناك أيضاً.
وأخيراً الذي أتذكره هنا هو عبدالعزيز الطيار الذي مرّ، وأرسله إلى جيبوتي.
أما عمال الفحم فإن أغلبهم كان يسافر في كل ستة أشهر، ثم يعودون إلى بلادهم وهكذا، لأنها قريبة من ميون إلى الشيخ سعيد، ومن الشيخ سعيد يمتطون الجمال، لكن الأعمال التي كان يزاولها هؤلاء اليمنيون شيء يحار العقل فيه، ولا أدري كيف كانت تلك التجربة، مع أنهم كانوا يحملون تلك الجواني «الشوالات» الفحم، وهي ثقيلة ويجرون بها جرياً فوق الألواح الخشبية، ولو سقط أحدهم لانتهى إلى البحر.
وهكذا كان إفراغها من البواخر وشحنها من جديد، حتى بدأ البترول يأتي، وأقفلت جزيرة ميون، وعاد عبدالله ثابت بعد أكثر من ستين عاماً إلى وطنه إلى الأصابح، وله دار كبير مشهور اسمه «دار المعموق».
ولا أود هنا أن أتحدث عما كان يصنعه اليمنيون في سبيل لقمة العيش، والذود عن حياض أمهاتهم وآبائهم وزوجاتهم من المكوس والضرائب التي كانوا يرزحون تحتها.
عندما تذهب إلى عصب تجد اليمنيين هناك تذهب إلى بور سودان تجد اليمنيين يحملون الأثقال، وتذهب إلى أي منطقة تجد اليمنيين مثلاً في عدن التي كانت تحت الحكم البريطاني: حدث ولا حرج..إلى الخمسينيات حيث بدأ اليمنيون في أعمال البناء والمقاولات فاشتهر منهم مقاولون أتذكر منهم: المرحوم شمسان عون، ومحمد عثمان ثابت، وأحمد حيدر ثابت وسلام علي أيضاً، وكثيرين وعبدالله محمد صالح الأصبحي الأديمي وعبدالعزيز علوان السقاف وولده الآن مشهور غازي علوان وآخرين.
ويشاهد الإنسان العمارات والبنايات تختلف كثيراً في طرازها المعماري فالطابع المعماري في كريتر عدن أو التواهي القديم أو المعلا القديم يغلب عليه الطابع الهندي، أما في الخمسينيات فقد بدأ اليمنيون ينحتون الجبال ويبنون المنازل بالأحجار، وأوجدوا طابعاً معمارياً مميزاً.
فبينما كان هناك مخزن وداره أو مخزنان وداره..الخ أصبح هناك نمط جديد ومميز وموسع ولذلك فإنهم بدأوا في هذه البناء، وطغوا على المقاولين الهنود في هذه الأشياء.. انظروا مثلاً «المعهد العلمي» هذا الذي بناه عبدالعزيز علوان السقاف، كان يعتبر أشهر مبنى بناه آنذاك، فقد جاء بالأحجار من منطقة «معبق» على بعد سبعين كيلو متراً، وعمل تلك المقدمة المشهورة التي لم يكن لها مثيل في عدن آنذاك.
سأقف هنا..لكي أعود مرة أخرى، وكما قلت من الذاكرة أيضاً.
(1) الخطاط : أن يوزع الإمام جنوده على بيوت المواطنين ، يقيمون فيها ، ويأكلون ويشربون ، عقاباً على فعلٍ اعتبر مخالفاً ، أو حتى يتم تحصيل ضريبة ما.

 

المصدر- صحيفة الجمهورية اليمنية الصادرة -يوم 05-01-2008

Comments

هنا تستطيع ان تترك تعليقا عبر حسابك في الفيسبوك دون إدخال الاميل او البيانات الخاصة بك

عن Ibarhim Ali

شاهد أيضاً

آسفين

   تعتذر جريدة السلام لقرائها  الكرام ،بخصوص المقال الذي نشر هذا الصباح،وصياغة المقال لم تكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.