الرئيسية / مقالات / تفنيد الادعاءات الإعلامية والسياسية المصرية بملف سد النهضة
نور طاهر

تفنيد الادعاءات الإعلامية والسياسية المصرية بملف سد النهضة

نور طاهر

الكاتب والمحلل السياسي

صعد الإعلام المصري في الاونة الأخيرة حملة شعواء ضد إثيوبيا بشأن ملف السد النهضة الكبير ، وهي في الحقيقة حملة بعيدة كل البعد عن الحقيقة الماثلة أمام الرأي العام العالمي .

ضمن تلك الحملة نقرأ يوميا عدة ترهات وفبركات، وقرأت تقرير في جريدة الاخبار من العدد الصادر يوم الثلاثاء 17/03/2020 بعنوان “بعد ان فقدت التعاطف الدولي الدبلوماسية الأثيوبية تتبنى حملة دعاية مضادة لتجميل مراوغات سد النهضة ” نشرها الدكتور رامي عاشور استاذ العلوم السياسي والأمن القومي يجامعة القاهرة على صفحته في الفيس بوك واصفا التقرير بتفنيد كامل ودحض جميع الحجج الاثيوبية والوقوف على نقاط ضعفنا المستغلة خارجيا ومعالحتها، والجريدة أحد أهم ” الجرائد القومية بالدولة ” تقرير كتبتها سيدة اسمها ريهام نبيل ودعمت تقريرها بافادات الدكتور رامي، وأيضا هناك عدة مقالات تحتوي على مغالطات ولذلك وجب علينا الرد لتفنيد كل الادعاءات واظهار الحقيقة .

اولا ، نبدأ من العنوان التهكمي هذا العنوان يظهر مدى فقدان المهنية لدى كاتبه ، لأنه اجزم بأن إثيوبيا فقدت التعاطف الدولي واضطرت إلى تبني حملة دعاية مضادة وكأن المجتمع الدولي قاطع إثيوبيا، وهو أمر لم يحدث ولذلك كان العنوان نفسه يعرى الكاتب ويجعل التقرير فارقا من اي مضمون موضوعي .

وإذا قمنا بقراءة مواقف الدول الكبرى و الإقليمية نجد أن مصر هي التي لا تتوفر على الدعم من حلفاءها بسبب عجز دبلوماسيتها بلورة مطالبها بدون الغاء حقوق الآخرين ، وحتى الولايات المتحدة الأمريكية لا تدعم مصر كدولة بكل مؤسساتها ، ومن يدعم مصر هو الرئيس ترامب الذي يخوض صراع حامي مع المؤسسات الأمريكية المختلفة منذ وصوله إلى السلطة وتطارده عدة تهم ، وأيضا وزارة الخارجية هي المخولة للتعامل مع الملفات الخارجية ، لا توافق ترامب في جهوده لارغام إثيوبيا على التنازل من حقوقها لأجل مصر ، وتجلى عدم انخراط المؤسسات الأمريكية في مساعي ترامب لدعم مصر في مطالبها المجحفة والغير المعقولة والمبنية على الاستعلاء وإقصاء الطرف الآخر في جلسة الكونغرس الامريكي حيث قاموا الاعضاء بمسائلة وزير الخزانة الأمريكي السيد ستيفن منوتشين الذي شارك في المفاوضات كوسيط وممثلا وتحديدا السيناتور ستيفن هورسفورد طالب بالتحقيق مع وزير الخزانة الأمريكية بتهمة خرق القانون والقيام بأفعال غير مسؤولة حسب وصفه ، منوها تولى الملفات الدولية ولعب دور الوسيط من صلاحيات الوزارة الخارجية.
الاعلام المصري وبعض الاعلاميين القومجيين العرب يروجون بوجود مؤامراة دولية تستهدف مصر عبر تقديم الدعم لاثيوبيا ، بل يذهب البعض بعيدا ويصف مشروع سد النهضة مشروع صهيوني بحت يهدف لتعطيش مصر فقط. وليس للمصلحة القومية الأثيوبية، اليس هذا ما يقال ؟ اذا كيف فقدت إثيوبيا التعاطف الدولي بملف سد صهيوني وكيف تتخلى إسرائيل وأمريكا عن ربيبتها المزعومة (إثيوبيا) في وقت حرج ؟
ولهذا السبب التقرير يناقض الروايات الاعلامية المصرية السابقة ويكذب كل المؤسسات الأعلامية ، بل ينسف كل الادعاءات التي قاموا بتسويقها لسنوات ، ادعاءت ارتكزت على نظرية المؤامرة للقوى الإمبريالية باعتبار السد ممول من قبل قوى نافذة في المجتمع الدولي، وبدون اي ادراك ما يكتب هذه الأيام ينسف تلك اي نظرية المؤامرة وذلك نشرهم تأكيد فقدان إثيوبيا التعاطف الدولي ناهيك الدعم ، و هذا دليل حجم التناقض العجيب للإعلام المصري،واعتراف ضمني أن ما روج سابقا أكاذيب وافتراءت ما انزل الله به من سلطان ، و يشهدون على انفسهم .
يقول ” بعد مرواغات متعاقبة وجدت إثيوبيا نفسها في موقف محرج، خاصة مع المرونة التي أبدتها مصر خلال مراحل مفاوضات سد النهضة المتعاقبة”. عجبا منذ متى أبدت مصر مرونة ؟.
عرف الموقف المصري خلال مراحل المفاوضات بالتشبث بما تسميها الحقوق التاريخية المنبثقة عن الاتفاقات الدولية ، ولم تبدي اي مرونة وتعثرت المفاوضات بسببها ، وظلت متمسكة بموفقها بدون مراعاة مطالب واحتياجات دول المنبع بعين الاعتبار ، بل على العكس واجهت مصر مرونة رئيس الوزراء الأثيوبي الدكتور ابي احمد الذي حاول تبديد المخاوف المصرية من نقص المياه الحاد الذي ربما ستواجهه مصر خلال مراحل ملئ الخزان ، بالتكبر والاستعلاء واعتبرت مرونته استسلام لمطالبها ، وقدمت مقترح للحكومة الإثيوبية للتعليق عليه الأمر الذي اعتبرته إثيوبيا آنذاك استفزازا غير مسبوق في العلاقات الدولية وتدخل سافر في شؤونها الداخلية، وردت على لسان وزير الري والمياه الأثيوبي الدكتور المهندس سيلشي بقيلى ” قال نحن من يحق ان يقدم الاقتراح ونطلب من مصر التعليق عليه ، لكن مصر قدمت اقتراح وطلبت منا التعليق وكأنها هي صاحبة السد وعلى مصر أن تعلم أن السد مشروع سيادي “

التقرير ينعت التحرك الدبلوماسي الاثيويي ويصفه بالحملة المضادة لتجميل المراوغات، ويحاول عبثا إظهار تفوق الدبلوماسية المصرية . لكن هذا أمر بديهي لا يحتاج إلى شرح، اثيوبيا دولة ذات سيادة ويحق لها القيام بحملة دبلوماسية مع دول حوض النيل ودول القارة و المجتمع الدولى لشرح موقفها وتفنيد إدعاءت مصرية كما يحق لمصر شرح موقفها والموقف القانوني من ادعاءاتها ، كما أن التحرك الدبلوماسي الاثيوبي ليس نتيجة الحرج حسب زعم التقرير بل لشرح الموقف وأيضا وليس طلب الوساطة أو طلب الاصطفاف إلى جانبها ، بينما ماذا نسمي مصر التي خالفت بنود اتفاقيات “إعلان المبادئ ” الموقعة في الخرطوم بين الدول الثلاثة وطلبت وساطة من امريكا والبنك الدولى وهو انتهاك للاعلان ، رغم ذلك إثيوبيا لم ترفض الوساطة وابدت مرونة، ولكن لا تعتبر تلك الوساطة مقدسة و قبول كل ما يتمخض عنها لتحقق مصر كل مطالبها، وثم ماذا يعتبر تحويل مصر ملف السد إلى ملف قومي عربي واستصدار بيان من الجامعة العربية يندد بالموقف الأثيوبي وهو تحرك سيكون له تبعات ، اما مفاوضات واشنطن من البداية الأمريكيون كانوا يدركون عدم قانونية تلك الخطوة فتم التعاطى مع ملف النهضة عبر وزارة الخزانة وليست وزارة الخارجية الامريكبة الذي تتولى مثل هذه الأمور .
يرى التقرير أن الرئيس الاوغندي أكد على موقف بلاده الثابت بشأن أهمية ضمان استخدام العادل والمستدام المياه النهر النيل ، ويفسرونه أنه يساند مصر ولا نعلم كيف يفسرونه رغم انه يتعارض مع موقف مصر المتمسك بالمعهادات الاستعمارية ، ولكن بأي منطق يعتبرون هذا التصريح لصالحهم ليتشدقون به ؟ بينما مصر هي التي ترفض الاستخدام العادل لمياه النيل وتطلب عدم نقص قطرة من 55 متر مكعب من المياه .

يقول الدكتور رامي عاشور في افادته في التقرير ان حجة إثيوبيا من تنصلها الاتفاقيات التاريخية حجة فارغة ويمثل تكريسا سياسيا لخرق مبادئ واهداف القانون الدولي، هل عدم الامتثال للاتفاقية التي لم تكن فيها طرفا يعد خرقا ؟؟ وكيف يكون اتفاقا يحترم القانون الدولي وآخر اتفاقية التي تتمسك بها مصر لم تكن إثيوبيا فيها طرفا رغم أنها دولة المنبع لي النيل الازرق وهى محور وجوهر الموقف القانونى الذى تنطلق منه مصر ، ويعطوا حق لبلدهم في اتفاقية لم تكن فيها إثيوبيا طرفا ولم توقع عليها ، وهي اتفاقية 1959 ، وعلما ان هناك ثلاث اتفاقيات أبرمت وهم اتفاقية1902 اتفاقية 1929 واتفاقية 1959 وكلها لا تلزم دول المنبع .

يطلق علي اتفاقية 1902 اتفاقية الحدود، وتم توقيع الاتفاقية فى 15 مايو 1902 بين بريطانيا واثيوبيا، ووقعتها بريطانيا نيابة عن مستعمرتها السودان .لكن الاتفاقية لم يصادق عليها العرش الأثيوبي والبرلمان البريطاني ولذلك لم تكن قانونية . ومصر لم تكن طرفا في الاتفاقية .
اما اتفاقية 1929 تقاسم المياه ، هي اتفاقية أبرمتها الحكومة البريطانية بصفتها الاستعمارية نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا)، مع الحكومة المصرية يتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وإن لمصر الحق في الاعتراض (فيتو) في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده ، ورغم توقيع بريطانيا نيابة عن دول حوض النيل لكن لم تكن إثيوبيا طرف في الاتفاق ، ولكن مصر ايضا لم تكن طرفا في هذه الاتفاقيات ومن وقعها قوى استعمارية .

اما الاتفاقية الثالثة هي تفاقية تقاسم مياه النيل 1959 وقعت بالقاهرة في نوفمبر 1959 بين مصر والسودان ، حيث تشمل الضبط الكامل لمياه النيل الواصلة لكل من مصر والسودان في ظل المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة آنذاك وهو الرغبة في إنشاء السد العالى ومشروعات أعالى النيل لزيادة إيراد النهر وإقامة عدد من الخزانات في أسوان ، وينطلق كل الخبراء والمحللين والكتاب المصريين يشيرون إلى البند الرابع من اتفاقية 1959 الذي يلزم اى دولة من دول حوض النيل ان تأخذ موافقة مصر اولا لتبنى سد او خزان وهي الاتفاقية الموقعة بين مصر والسودان واعطت مصر السيطرة التامة على مياه النيل ، ولكنهم يتناسون ان الاتفاقية ثنائية استثنت دول حوض النيل ولا تلتزم دول حوض النيل للاتفاقية التي لم يوقعون عليها وليسوا ملزمين قانونيا لتنفيذها ، وإثيوبيا واحدة منهم لا يعترفون بالاتفاقية لانها تعطى مصر حق النقد مصر بشكل منفرد .
ويقول الاعلام المصري عموما وقالها الدكتور رامي خصوصا في افادته في تقرير ريهام نبيل ان ما فعلته إثيوبيا سوف يشجع دول أخرى خاصة في أفريقيا لعدم الامتثال للاتفاقيات التي أبرمت في عهد الاستعمار وحتى الحدود وخرائط الدول أبرمت في تلك العهد ، وهذا يهدد الأمن والسلم الدوليين، ويؤكد على حقوق مصر التاريخية هي محاوبة تحريض المجتمع الدولي على إثيوبيا لكي لا تنقص قطرة من حصة مصر التاريخية لكنها محاولات عبثية .

عموما اتفاقيات 1902 و1929 أبرمت في عهد نظام عالمي انهار ومثلتها قوى استعمارية ، وتغيرت كل الاتفاقات التي حدثت في تلك الفترة وليست مقبولة حاليا، لان العالم يحتكم للقانون الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية ، بالإضافة إلى ذلك كل الدول ألافريقية نقضت العهود الاستعمارية بعد الاستقلال وكم عهود اتفاقات تغيرت والغيت وعدلت لتكون اتفاقات بين الحكومات الوطنية .
اما اتفاقية 1959 رغم أنها تمت في عهد النظام العالمي الجديد الا انها كانت ثنائية واستثنت دول المنبع ولذلك قانونيا اثيوبيا ليست ملزمة .
وبخصوص المفاوضات الأخيرة يقول الدكتور رامي عاشور أن إثيوبيا وافقت على الاتفاق مبدئيا وتراجعت أقامت بالخرق ، كيف وافقت على الاتفاق ؟ واصلا ما كان يحدث في واشنطن مفاوضات ، و لم يتم الاتفاق لتخرقها ، و ما يعرفه الجميع هو إبداء إثيوبيا مرونة للوصول الى اتفاق يرضي جميع الاطراف وقبول الوساطة رغم خرقها اعلان المبادئ ، لكن إصرار مصر على حصة الأسد من مياه النيل على حساب السودان واثيوبيا ومطالبتها لوضع مراقبين مصريين ودوليين على سدود وخزانات اثيوبيا والسودان وهو مطلب مجحف ينتهك سيادة الدول ، ودليل على سياسة الاستعلاء التي تمارسها دولة مصر ،. والسودان لم يوقع على اتفاق واشنطن ووقعتها .
نستنتج من هذا ان النظرة الاستعلاء مسيطرة على معظم ان لم يكن كل النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية في مصر لانهم يعتمدون على أساطير غرست فيهم وترسخت في آذانهم أن السود الأفارقة أقل شأنا من مصري ويخدعون انفسهم حتى ان كانت دول المنبع لها الحق علينا أن لا نعترف لاننا ام الدنيا ولازم نفرض عليهم شروط وعيب علينا أن نقر بحقوق العبيد ، وهي نظرتهم تجاه كل الأفارقة. وما يقال منذ بداية الأزمة في الإعلام المصري عن الشعب السوداني والاثيوبي يسمى سقوط وانحطاط اخلاقي ولا يخدم مصر ، و هذه الثقافة اوصلت مصر الي هذه الحالة بدون صديق من القارة الأفريقية ورفض السودان قرار الجامعة العربية والابنتهاج الشعبي لهذا القرار في الشارع الثوري أحد نتائج سياسة مصر الاستعلائية وحتى الجامعة العربية أصدرت البيان على استحياء بدون ممارسة أي ضغوط على السودان إثيوبيا .

والأن بعد أن ايقنت النخب السياسية الحاكمة في مصر أنهم اصبحوا في عزلة دولية واقليمية بدون اصدقاء، كلفوا الاعلام بفبركة تقارير و أخبار تفيد ان دولة فلان أكدت مساندتها لموقف مصر في حقوقها التاريخية لمواساة أنفسهم ولتخدير شعبهم إلى أجل غير مسمى ربما إلى أن يكتمل السد ويولد الطاقة
ولسوء الحظ تلك الفبركات والأكاذيب بدأت تتكشف وتكذبها الدول المذكورة في قائمة المساندين وفق الإعلام المصري ، مثلا يوم أمس نشرت كل الصحف المصرية خبر مفاده أن الرئيس الكيني اوهورو كينياتا ابلغ الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يوم الثلاثاء في اتصال هاتفي أن كينيا تساند موقف مصر وتقف الى جانبها ، ليصدق الاعلام المصري الكذبة التي خلقها بنفسه، سرعان ما وصفتها الصحف الكينية الحكومية بالبروغاندا المصرية وطالبت بمحاربتها ، ومن جانبه قال الرئيس الكيني طالب استخدام العادل لمياه النيل واكد على حقوق دول المنبع ، وقال أن يكون حل الخلافات افريقيا ، وهي رسالة إلى مصر التي لجأت إلى الجامعة العربية بدل الاتحاد الأفريقي الذي يضم الدول الثلاثة .

عموما مشروع سد النهضة الكيير لا يهدف لتعطيش مصر كما يروج بل يهدف لتوليد الطاقة للشعب الأثيوبي الذي يعيش منه قرابة 60 مليون بلا كهرباء ، ونقصالمياه الذي قد يحدث طفيف جدا بحيث لا يؤثر على المواطن المصري ، وبالتالي إيجاد حل لملف سد النهضة لا يكون بالحرب الإعلامية ولا العسكرية، بل يكون عبر مفاوضات جادة ، ونأمل أن تنطلق مفاوضات تحت مظلة أفريقية بمشاركة كل دول المنبع والمصب والتوصل الى اتفاقية جديدة تقر بتقاسم العادل لمياه النيل الازرق والأبيض تأخذ احتياجات دول المنبع للطاقة وحاجة مصر للمياه بعين الاعتبار .

Comments

هنا تستطيع ان تترك تعليقا عبر حسابك في الفيسبوك دون إدخال الاميل او البيانات الخاصة بك

عن Shefa Alafari

شاهد أيضاً

تدشين مبنى جديد للسفارة الاريترية في أديس.. أبي احمد وأسياس يجددان  العهد لتعزيز فصل جديد من التعاون بين البلدين

تدشين مبني جديد للسفارة الاريترية في أديس.. أبي احمد وأسياس يجددان  العهد لتعزيز فصل جديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.