الرئيسية / مقالات / تحولات القرن الأفريقي: من الصراع إلى التكامل
القرن الافريقي

تحولات القرن الأفريقي: من الصراع إلى التكامل

عبدالعزيز علي محمود
كاتب صومالي
باحث بمعهد البحوث والدراسات العربية

القرن الأفريقي هو ذلك الجزء الذى يبرز فى شرق القارة الأفريقية، ويشمل من الناحية السياسية أربع دول وهى الصومال وجيبوتي وإرتريا وإثيوبيا، وتعتبر هذه المنطقة من المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية نتيجة لموقعها الجغرافي وأنها تتحكم في التجارة الدولية والإقليمية عن طريق المحيط الهندى وعبر البحر الأحمر عن طريق باب المندب وقناة السوس، بالإضافة إلى أنها منطقة همزة الاتصال بين أجزاء الوطن العربي فى قارتي آسيا وأفريقيا.

وقد ترتب على هذه الأهمية الإستراتيجية والجيوبوليتكية للمنطقة بأن تكون محل التنافس للقوى الدولية والإقليمية ما أدى إلى التدخل فى شؤنها وتوجيه مسارها بما يخدم مصالحهم وأهدافهم دون شعوب المنطقة. وشهدت أيضاَ هذه المنطقة العديد من الصراعات بين الدول المكون للقرن الأفريقي – بين الصومال وإثيوبيا في السبعينيات، إثيوبيا وإريتريا في نهاية التسعينيات، جيبوتي وإريتريا في بداية الألفية الثالثة – وذلك لأسباب حدودية الذي ارتبطت نشأته تاريخياَ بفترة الاستعمار الأوروبي على المنطقة فى إطار تنافسه على تقاسمها، وقد أدى ذلك إلى تشكيل الحدود السياسية لدول المنطقة بما لا يتوافق مع التركيبة الجغرافية والإجتماعية والاقتصادية، وهو ما انعكس فى الآخر على حدوث صراعات وحروب حدودية بين الدول المنطقة عقب الاستقلال.

فمن أخطر الصراعات التى مرت بها هذه المنطقة ويتسم بخصوصية معينة يتميز عما عداه هو الصراع الصومالى الإيثوبي الذى يرجع جدره إلى الموروثات التاريخية المرتبطة بظروف نشأة كل من الصومال وإثيوبيا، والحروب الدينة التى كانت بين المسلمين والمسيحين فى عهد الإمبراطوريات الحبشية والإمارات الإسلامية. كما يرجع جوهر الصراع الصومالى الإيثوبي إلى مشاركة الأخيرة مع القوى الاستعمارية الأوروبية فى تقسيم الصومال واستلائها على إقليم الأوجادين (الصومالي) بموجب اتفافية مع بريطانيا. ونتيجة لذلك ارتكزت سياسة الصومال بعد الاستقلال على إنكار الحدود الاستعمارية ودخلت عدة حروب مع إثيوبيا لإعادة إقليم أجادين الصومالي. وقد أدت العلاقة الصراعية بين الدولتين إلى وقوع عدة حروب وإلى مواجهات عسكرية فتحول إلى عداء تاريخي بين البلدين، وقد أدى ذلك التدخل السياسي والعسكرى الإيثوبي فى الصومال منذ انهيار الدولة الصومالية فى التسعينات.

الصراع الإثيوبي – الإرتري

فإن العلاقة بين إثيوبيا وإرتريا يشوبها تاريخ طويل من الحرب والعداء التاريخي بسبب الصراعات العرقية والحدود المشتركة، وتعد الحروب بين الدولتين أنها أكثر عنفاً وخسائرا فى الصراعات التي شهدها القرن الأفريقي منذ الاستقلال. وعلى الرغم من ذلك فإن النزاع الإيثوبي الإرتري ليس مجرد نزاع حدودي فقط  ولكنه نزاع متعدد الأبعاد والمستويات، ويشمل صراع بين الجماعات وبعض القوميات فى كلتا الدولتين، إضافة إلى  شعور ارتريا بأنها لم تلق الاهتمام الكافي بها من قبل القوى الدولية الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، كما فقدت إثيوبيا أهميتها بعد أن كانت دولة ساحلية مهمة وأصبحت دولة حبيسة منذ استقلال ارتريا. 

الصراع الجيبوتي – الإرتري

تميزت العلاقات الجيبوتية – الإرترية بتوتر إلى حد كبير وبحالة من عدم الاستقرار بسبب الصراع الحدودي بين الدولتين فى ( دوميرا)، ولم تشهد المواجهات العسكرية إلى في بداية عام 2008، وذلك بعد أن نشرت إرتريا قواتها العسكرية على  الأراضي المتنازع عليه، مما أدى إلى حدوث اشتباكات مسلحة بين الدولتين وسط اتهامات متبادلة بين الطرفين حول البادي بالهجوم، ونتيجة لذلك قدمت جيبوتي شكوى للمنظمات الدولية كمنظمة الوحدة الأفريقية ومجلس الأمن الدولي لوقف الاعتداءات الإرترية على أراضيها وترسيم الخرائط بين الدولتين.

وصول آبي أحمد .. الانفراج السياسي

وعلى الرغم من كل الصراعات السياسية والحدودية السابقة التي وقعت بين دول القرن الأفريقي إلا أن المنطقة تشهد مرحلة جديدة من العلاقات بين هذه الدول، من الانسداد السياسي إلى الانفراج السياسي؛ وذلك منذ انتخاب آبى أحمد رئيسا للوزراء في إثيوبيا، والذي إتبع سياسة خارجية مفتوحة تقوم على تصفير المشاكل مع الدول الجوار، إذ بدأ خطابه الأول من داخل قبة البرلمان باستعداده التصالح مع الجارة إرتريا ثم أعقب ذلك زيارات متبادلة بين قادة الدولتين – أسمرا وأديس أبابا، وكما زار آبي كلا من جيبوتي والصومال، وأيضا زار الرئيس فرماجو أسمرا وتم فيها الاتفاق على تجاوز المشاكل البينية، وبموجبها طالب رئيس جمهوريات الصومال الفيدرالية محمد فرماجو رفع عقوبات عن إرتريا، وشهدت أيضا أسمرا القمة الثلاثية بين آبي أحمد وفرماجو، وآسياس، وأعلن فيها التعاون والتكامل جميعاَ بين دول القرن الأفريقي وانهاء الصراعات وعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول، من أجل صناعة قرن أفريقي جديد خال من التوترات والصراعات.

مؤشرات التعاون وبداية عصر التكامل

هناك تغير فى العلاقات الصومالية الإثيوبية نحو تعاون جديد واعتراف الأخيرة التعامل مع الحكومة الفيدارلية الصومالية فقط دون الولايات الإقليمية وعدم تدخلها نهائيا فى الشؤون الداخلية  للصومال، بعد أن كانت من أقوى الدول التى تعلب دوراً محورياً فى التأثير على الوضع السياسي الداخلي فى هذا البلد الذي عانى ويلات الحرب الأهلية، وتخلي آبي عن  أطماع أسلافه السابقين  على ابقاء الصومال دولة هشة وضعيفة ذات حكومة موالية لها لما يحقق مصالحها واطماعها فى الموانئ الصومالية.

من جانب آخر تم فتح صفحة جديدة فى العلاقات الإرترية الإيثوبية نحو التقارب والتعاون بعد صراع طويل من حالة اللا الحرب واللا سلام التى دامت عشرين عاماً بين الجارتين، وتم توقيع اتفاقية “سلام” بينهما فى أسمرا  وتم تأكيد الالتزام به في أديس أباب، وتم تحسينه في أبو ظبي وجدة، وذلك بعد إعلان إثيوبيا التزامها على اتفاق السلام بين الدوليتين فى العاصمة الجزائرية الذى يقضى النزاع الحدودي بينهم ويعطي ارتريا أحقيتها على الأراضى المتنازعة عليها ولكنه فشل لرفض أثيوبيا قرار ترسيم الحدود وقتها.

الخاتمة

وأخيراً كل ما سبق من التحولات والتغيرات الثنائية بين الدول أدى إلى ظهور تحالف وكتلة جديدة فى المنطقة التى تشمل كل من الصومال وأثيوبيا وارتريا لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني لتحقيق الطموحات الشعبية فى المنطقة. 

ورغم كل التغيرات الإيجابية إلا أن هناك تحديات تواجه الانتقال من الصراع إلى التعاون، حيث لم يتم حل النزاع الحدودي بين إرتريا وجبيوتي من ناحية وعم دخول الأخيرة أيضاً فى التحالف الجديد فى المنطقة، فإن القدرة على حل الخلافات الحدودية بين هذه الدول، وكذلك التغيير السياسي  في داخل الأنظمة لهذه الدول أهمها الانتقال نحو الديمقراطية والحكم الرشيد، سيكون كل ذلك تحديات تعيق تحقيق القرن الأفريقي الجديد الخالي من التوتر والصراع.

Comments

هنا تستطيع ان تترك تعليقا عبر حسابك في الفيسبوك دون إدخال الاميل او البيانات الخاصة بك

عن Shefa Alafari

شاهد أيضاً

تفنيد الادعاءات الإعلامية والسياسية المصرية بملف سد النهضة

نور طاهر الكاتب والمحلل السياسي صعد الإعلام المصري في الاونة الأخيرة حملة شعواء ضد إثيوبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.