الرئيسية / ثقافة / الأزمات السياسية للمجتمع العفري (2)

الأزمات السياسية للمجتمع العفري (2)

في المقال السابق قسمتُ الأزمات السياسية التي يعانيها المجتمع العفري  إلى قسمين، باعتبار أنها تبرز بمظهرين ( أزمة المعارضة ، أزمة الحوار) وتناولت أزمة المعارضة بشيء من الإيجاز، وفي السطور القادمة سأحاول تسليط الضوء على الشق الثاني من الأزمات السياسية ألا وهي أزمة الحوار.

يعتبر الحوار لبنة أساسية في خلق حالة من الانسجام المجتمعي وإذ يحول دون تمزق المجتمعات ويسوده حالة من السلام المجتمعي، وذلك لأنه الأداة الأكثر فاعلية في تحقيق التفاهم والتعاون وحل المشكلات التي تمس كل ما يتعلق بالمجتمع، وخاصة في ظل الإنقسام والمشكلات التي تهدد الوجود ووحدة الصف والكلمة.

يعاني المجتمع العفري في الوقت الراهن أزمة شديدة التعقيد والتشابك، وغاب فيها العقل  والمنطق، إذ كل يدعي الحق والحقيقة وغيره على  باطل وضلال مبين، فوجوده كليا باطل يجب محوه وطمسه أو حرمانه من التنفس على وجه البسيطة لثانية، وهذا المنطق والتفكير ناتج عن أزمة الحوار وغياب أي مجال للحوار والنقاش بمنطق العقل والصالح العام.

هل أزمة الحوار متجذرة في الثقافة العفرية؟

هل التركيبة الشخصية العفرية والاجتماعية هي السبب في أزمة الحوار؟

هل في الثقافة العفرية وفي ذهنية المجتمع العفري وتقاليده ما يمنع قيام أي مجال لحوار جاد وبنّاء أم أن غياب الهدف والرؤية لدى المعارضة ومؤيديها هي السبب في الأزمة؟

يُعد المجتمع العفري من المجتمعات التقليدية التي عرفت الحوار منذ القدم، حيث كانت القبائل في هذا المجتمع تحل جميع مشكلاتها سلميا، وسنّت قوانين ردع تردع أي جريمة اجتماعية، وأيّ مهتم بالتراث والتقاليد العفرية القديمة سيجده مجتمعا ارتقى بالإنسان وحياته، وأي تعدٍّ على الإنسان يعتبر جريمة على المجتمع القبلي، وحتى قذف شخص أو التشهير به كان يستدعي جلسة تحت الشجرة، وفي هذه الشجرة يتم الاستماع لجميع الأطراف، وفي النهاية يتم اتخاذ القرار من قبل العقلاء والمشايخ.. وهذا يوصلنا لنتيجة مفادها أن العفر أعطت الأولوية للسلام المجتمعي، وكان الحوار هو الأداة الأساسية لتحقيق ذلك، وأن هذا المجتمع لم يعان ما يُعرف بأزمة الحوار، وأنها ناتجة بسبب العصرنة والحداثة ما يعني أنها أزمة عصر وحداثة وليست متجذرة بالثقافة العفرية.

إذن هل الشخصية العفرية والاجتماعية الحالية هي السبب في أزمة الحوار؟

إجابة هذا السؤال تتطلب الدراسة النفسية للفرد العفري، وهذا لن يتأتى في هذا المقال لأسباب كثيرة وأهمها عدم توافر أي دراسة تتناول هذا الجانب، وبالتالي سأعتمد على الملاحظات الخاصة، وملاحظاتي تنطلق من سؤالما الذي تعانيه الشخصية العفرية؟

يعاني الفرد العفري الصراع الداخلي مع نفسه وأهمها:-

1- الانفصام الولائي: بسبب غياب وطن وسلطة واحدة يحتمي بحماها، ويعيش في شخصيتين، الشخصية الوطنية لنيل حقوقه كمواطن، وشخصية قومية ليعبر عن نفسه في وسط الكيانات التي يتواجد فيه. مما يعدد ولاءه.. تجده حينا وطنيّ وحينا الآخر قوميّ.

2- الخوف والترقب: يخاف كل ما هو جديد وأي حركة وسكون تثير شكه فيمن حوله وبالتالي يترقب الشر دائما، ويكون التفكير مصبّا على الجانب السلبي، ويُغيّب كلما هو إيجابي حتى من أقرب الناس، وستجد على لسانه أنهلا أحد يؤتمن والخيانة واردة من الجميع“. ويترتب على هذه الحالة العداء للجميع ورفض أي رأي أو فكر خارج منطقه ومصلحته.

3- الذاتية والنفعية: الانفصام الولائي يرتب الخوف والترقب ومن الخوف والترقب ينتج الذاتية، بمعنى البحث عن الذات بسبب الإحساس بالضعف، كلما يحس الفرد الضعف يتمرد على كل شيء حوله، ظنا منه ذلك إثباتا لوجوده، واحساس الآخر بأنه هنا، والتمرد يُفقده الآحساس بالآخر، حيث كل ما يهمه إثبات كيانه الفردي ويَغيب عن نظره أن وجوده مرتبط بوجود كيان أكبر وأوسع، مصلحته هي التي تحركه وهي الدافع، إذ يصبح نفعيا بالدرجة الأولى ولا مكان في قاموسه للصالح العام.

4- العقل المؤامراتي والدونية: أي فعل يصدر من صاحب منصب أو نفوذ مؤامرة  ينبغي رفضها ومحاربتها، وذلك لمجرد أنها من فلان أو من علان أو لأنه من فيصل آخر، ولا يهتم إن كان للفعل جانب إيجابي، وحتى لو كانت إيجابياته غالبة على السلبيات.

يعاني الفرد العفري الدونية، حيث تجده دائما يقارن نفسه مع الآخر. وفي المقارنة دائما يكون الطرف الأدنى والأضعف والطرف المظلوم، يقارن المدير بآخر ويعلي عليه ذلك المدير، وكذا الوزير، مما يخلق لديه عداء لكل من على كرسي الوظيفة أو السلطة من قومه، وتعظيم أو تبجيل لكل من هو ليس من قومه. وهنا يبرز التساؤل كيف لمن نُشْعره يوميا ولحظيا بأنه أقل من نظيره بأنْ يشفع لك أو يقف أمام شخص لبسته هالة العظمة؟

وكل ما سبق خلق لدى الشخصية العفرية الولع ب (لا)، مولع بلا لأنه يرى بذلك يثبت وجودا وينهي وجودا لآخر يعاديه، وهذه اللاءات تعد سلاحه الفتاك للقضاء على وحوش تتربص به، والوحوش المتربصة به هي من قومه، بينما غير قومه من فصيلة بشر يبجله ويقدسه.. وكل ذلك أثر على المجتمع العفري سلباإذ الكل أعداء.. الكل ضد الكل ماعدا نفسهوذلك لغياب الثقة وهو ما عكس على حل أي خلاف ومشكلة قد تظهر على الساحة حتى تتأزم.

وختاما نَخْلص أن التفاعلات السياسية بين العفر تفتقر إلى الحوار سواء بين الأحزاب السياسية أو بين القوى المعارضة العفرية نفسها، أو بين المعارضة والمجتمع الذي تمثله؛ وكذا بين المثقف _ إن كان له وجود _ والمجتمع، وكما يشهد مجتمعنا غياب تام لدور العقلاء، إذ الكل في برج عاجي وكأن القضية قضيته الخاصة ومتفرد بها دونه من المجتمع.

ويترتب على انعدام الحوار في المجتمع آثار سلبية متعددة الجوانب أولها الانغلاق وقد يكون على المستوى الأفقي بين المجتمع العفري نفسه، أو بين المعارضة العفرية وأخرى العفرية؛ وقد يكون على المستوى الرأسي بين المعارضة والمجتمع أو داخل المعارضة بين قادتها وأعضائها، وقد يكون أيضا على المستوى الخارجي وهو انغلاق ينتج عن غياب الحوار بين المعارضة العفرية وغيرها من المعارضة داخل الوطن وخارجه.

والأثر الثاني لغياب الحوار هو التبعية العمياء، حيث يُغيّب العقل وتسيطر العاطفة، ويؤدي ذلك إلى غياب المحاسبة الفعلية بسبب عدم القدرة على تقييم عقلي وعلمي نتيجة العاطفة المتحكمة على الأفراد؛ ويصبح التركيز عند التقييم على الأفراد _  من فعل وقام بالفعل _ وليس على الفعل ولا على أساس كيف أو جودته أو مدى تميّز الفعل أو إيجابياته ونفعه لصالح العام. وهكذا نضفي على أية معارضة حزب القداسة المطلقة.

والأثر الثالث يتمثل بانتشار ثقافة الاستبداد بين أفراد المجتمع وبين المعارضة وكذلك بين قادة هذه المعارضة، مما يقضي على أية آمال في خلق بيئة مناسبة مستقبلا لاحتواء الخلاف والمشكلات.. 

وأختم مقالي هذا بسؤال علّنا نجاوبه يوما

كيف يمكن تجاوز أزمة المعارض وأزمة الحوار؟

بقلم /   Fantastic Kamil

Comments

هنا تستطيع ان تترك تعليقا عبر حسابك في الفيسبوك دون إدخال الاميل او البيانات الخاصة بك

عن Shefa Alafari

شاهد أيضاً

تفنيد الادعاءات الإعلامية والسياسية المصرية بملف سد النهضة

نور طاهر الكاتب والمحلل السياسي صعد الإعلام المصري في الاونة الأخيرة حملة شعواء ضد إثيوبيا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.